الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
533
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
والحزين ومن هاجه الطرب والحب والشوق لا يملك من نفسه دفع التحزين والتطريب في القراءة . ولكن النفوس تستجلبه وتستملحه لموافقة الطبع وعدم التكلف والتصنع ، فهو مطبوع لا متطبع ، وكلف لا متكلف ، فهذا هو الذي كان السلف يفعلونه ويسمعونه ، وهو التغني المحمود ، وهو الذي يتأثر به التالي والسامع . والوجه الثاني : ما كان من ذلك صناعة من الصنائع ، ليس في الطبائع السماحة به ، بل لا يحصل إلا بتكلف وتصنع وتمرن ، كما يتعلم أصوات الغناء بأنواع الألحان البسيطة والمركبة على إيقاعات مخصوصة وأوزان مخترعة لا تحصل إلا بالتعليم والتكلف ، فهذه هي التي كرهها السلف وعابوها وأنكروا القراءة بها . وبهذا التفصيل يزول الاشتباه ، ويتبين الصواب من غيره ، وكل من له علم بأحوال السلف يعلم قطعا أنهم برآء من القراءة بألحان الموسيقى المتكلفة التي هي على إيقاعات وحركات موزونة معدودة محدودة ، وأنهم اتقى للّه من أن يقرءوا بها ويسوغوها ، ويعلم قطعا أنهم كانوا يقرءون بالتخزين والتطريب ، ويحسنون أصواتهم بالقراءة ، ويقرءونه بسجاياهم تارة ، وتطريبا أخرى ، وهذا أمر في الطباع ، ولم ينه عنه الشارع مع شدة تقاضى الطباع له ، بل أرشد إليه وندب إليه - صلى اللّه عليه وسلم - ، وأخبر عن استماع اللّه لمن قرأ به ، وقال : « ليس منا من لم يتغن بالقرآن » وليس المراد الاستغناء به عن غيره كما ظنه بعضهم ، ولو كان كذلك لم يكن لذكر حسن الصوت والجهر به معنى . والمعروف في كلام العرب أن التغني إنما هو الغناء الذي هو حسن الصوت بالترجيع ، كما قال الشاعر : تغن بالشعر إذا ما كنت قائله * إن الغناء لهذا الشعر مضمار وروى ابن أبي شيبة عن عقبة بن عامر مرفوعا : « تعلموا القرآن وتغنوا به واكتبوه » « 1 » . الحديث واللّه أعلم . وقد صح أنه - صلى اللّه عليه وسلم - سمع أبا موسى
--> ( 1 ) ذكره الحافظ في « الفتح » ( 9 / 71 ) .